شبكة الهداية الإسلامية

حقيقة السحر وحكم الساحر

Tue 2012-11-6 16:47:01
عدد الزيارات: 4852

حقيقة السحر وحكم الساحر

مذهب أهل السنة وأنهم يثبتون حقيقة السحر:
السحر متحقق وقوعه ووجوده، ولو لم يكن موجوداً حقيقة لم ترد النواهي عنه في الشرع والوعيد على فعله، والعقوبات الدينية والأخروية على متعاطيه، والاستعاذة منه أمراً وخبراً ، قال تعالى : وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)101(سورة البقرة)، وقال عز وجل :( ومن شر النفاثات في العقد)  ، والنفاثات هي السواحر يعقدن وينفثن، والمقصود أنه قد ثبت بهذه النصوص وغيرها أن السحر حقيقة وجوده وله تأثير، فمنه ما يمرض، ومنه ما يقتل، ومنه ما يأخذ بالأبصار، ومنه ما يفرق بين المرء وزوجه كما في الآية، لكن تأثيره ذلك إنما هو بما قدره الله سبحانه وتعالى وقضاه وخلقه عندما يلقي الساحر وما يلقي . وقد ثبت في الصحيحين أنه ( قد سحر حتى أنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما فعله )، وقد نقل النووي عن المازري رحمهما الله أن مذهب أهل السنة وجمهور علماء الأمة على إثبات السحر ، وأنه له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة خلافاً لمن أنكر ذلك ونفى حقيقته ، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها ، وقد ذكره الله تعالى في كتابه وذكر أنه مما يتعلم وذكر ما فيه إشارة إلى أنه مما يكفر به وأنه يفرق بين المرء وزوجه وهذا كله لا يمكن فيما لا حقيقة له . أهـ . وقال النووي أيضاً : قال ابن هبيرة رحمه الله تعالى : أجمعوا على أن السحر له حقيقة إلا أبا حنيفة فإنه : قال لا حقيقة عنده . وقال القرطبي رحمه الله تعالى : وعندنا أن السحر حق وله حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء خلافاً للمعتزلة وأبي إسحاق الإسفرائيني حيث قالوا : إنه تمويه وتخييل . أهـ .
فثبت وتقرر من هذا وغيره تحقق السحر وتأثره بإذن الله ، فأما القتل به والإمراض والتفرقة بين المرء وزوجه وأخذه بالأبصار فحقيقة لا مكابرة فيها ، وأما قلب الأعيان كقلب الجماد حيواناً وقلب الحيوان من شكل إلى آخر فليس بمحال في قدرة الله عز وجل ولا غير ممكن فإنه هو الفاعل في الحقيقة ، وهو الفعال لما يريد ، فلا مانع من أن يحول الله ذلك عندما يلقى الساحر ما ألقى امتحاناً وابتلاءً وفتنة لعباده ولكن الذي أخبرنا الله تعالى به في الواقع من سحرة فرعون في قصتهم مع موسى عليه السلام إنما هو التخيل والأخذ بالأبصار حتى رأوا الحبال والعصى حيات ، فنؤمن بالخير ونصدقه ولا نتعداه ولا نبدل قولاً غير الذي قيل لنا ولا نقول على الله ما لا نعلم وبالله التوفيق .
بيان أن ما ثبت من أنه صلى الله عليه وسلم سُحِرَ لا يتنافى مع عصمته:
ونقل النووي عن المازري أيضاً أن بعض المبتدعة أنكر حديث الصحيحين في أنه  سحر بزعم أنه يحط من منصب النبوة ويشكك فيها وأن تجويزه يمنع الثقة بالشرع.
وهذا الذي قالوه باطل، لأن الدلائل القطعية قد قامت على صدقه وصحته وعصمته فيما يتعلق بالتبليغ والمعجزة شاهدة بذلك، بخلاف ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها، ولا كان مفضلاً من أجلها وهو مما يعرض للبشر، وإذا كان الأمر كذلك فغير بعيد أن يخيل إليه ( من أمور الدنيا ما لا حقيقة له ، وقد قيل إنه إنما كان يخيل إليه أنه وطيء زوجاته وليس بواطيء ، وقد يتخيل الإنسان مثل هذا في المنام فلا يبعد تخيله في اليقظة ولا حقيقة له ، وقيل إنه يخيل إليه أنه فعله وما فعله ولكن لا يعتقد صحة ما يتخيله . قال القاضي عياض رحمه الله تعالى : وقد جاءت روايات هذا الحديث مبينة أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه لا على عقله وقلبه واعتقاده ، ويكون معنى قوله في الحديث حتى يظن أنه يأتي أهله ولا يأتيهن ، ويروى : يخيل إليه ، أي يظهر له من شدة نشاطه ومتقدم عادته القدرة عليهن فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يأتهن ولم يتمكن من ذلك كما يعتري المسحور ، وكل ما جاء في الروايات من أنه يخيل إليه فعل شيء لم يفعله ونحوه فمحمول على التخيل بالبصر لا الخلل المتطرق للعقل  اهـ .
حكم الساحر :
الساحر الذي يمارس السحر المتعلم من الشياطين أو الذي تدخل فيه الشياطين كافر ، تعلم هذا السحر أو علمه ، عمل به أو لم يعمل ، وقد علم أن هذا السحر لا يعمل إلا مع من كفر بالله ، ومعلوم أن استبدال ما تتلوه الشياطين وتتقوله والانقياد له والعمل به عوضاً عما أوحى الله تعالى إلى رسوله ( من أعظم الكفر وهو من عبادة الطاغوت التي هي أصل الكفر وقد سمى الله تعالى طاعة العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحله عبادة وأنه اتخاذ لهم أرباباً من دون الله فكيف في طاعة الشيطان فيما ينافي الوحي فهل فوق هذا الشرك من كفر ، والآيات صريحة في كفر الساحر كقوله تعالى : ( وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ) فالكفر وقع بتعليم الناس السحر ، وهذا في المعلم أما المتعلم فقال في شأنه : ( ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ) يعني من حظ ولا نصيب ، وهذا الوعيد لم يطلق إلا فيما هو كفر لا بقاء للإيمان معه فإنه ما من مؤمن إلا ويدخل الجنة وكفى بدخول الجنة خلاقاً . وقوله تعالى : ( ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون ) وهذا من أصرح الأدلة على كفر الساحر ونفي الإيمان عنه بالكلية فإنه لا يقال للمؤمن المتقي : ولو آمن واتقى .
وهذا ظاهر لا غبار عليه ، والله أعلم ، وقد صرح بذلك أئمة السلف من الصحابة والتابعين وإنما اختلفوا في القدر الذي يصير به كافراً ، والصحيح أن السحر المتعلم من الشياطين كله كفر قليله وكثيره كما هو ظاهر القرآن  .
حد الساحر:
1- إن كان سحره مما يكفر به - كما سبق - فحده القتل ضربة بالسيف كما هو ثابت بالكتاب من عموم النصوص في الكفار المرتدين ، وكما روي عن جندب مرفوعا - قال الترمذي : والصحيح عن جندب موقوفاً.
2 - (حد الساحر ضربة السيف) وبعض أهل العلم على ذلك أي على قتل الساحر بمجرد السحر ، وقول مالك وكذا أخذ بهذا أبو حنيفة وأحمد رحمهم الله جميعاً ، وصح عن عمر رضي الله عنه أنه كتب : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة . وصح عند مالك في الموطأ عن حفصة رضي الله عنها أنها قتلت جارية لها سحرتها.
وقال الشافعي : إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل من سحره ما يبلغ الكفر فإذا عمل عملاً دون الكفر فلم ير عليه قتلاً .
3- إذا كان سحره لا يبلغ الكفر لكن اعتقد جوازه كفر كذلك وقتل حد المرتد .
4- إذا كان سحره يبلغ الكفر أو لا يبلغه لكن قتل به إنساناً فإنه يقتل عند مالك وأحمد والشافعي ، وقال أبو حنيفة : لا يقتل حتى يقرر منه ذلك أو يُقِّر به في حق شخص معين وهنا يقتل حداً إذا كان كفراً ويقتل قصاصاً إن لم يبلغ الكفر . وقال الشافعي : فإن قال : لم أتعمد القتل فهو مخطئ عليه الدية .
عقوبة الساحرة :
قال مالك وأحمد والشافعي في الساحرة إذا كانت من المسلمين أنها تقتل وحكمها حكم الرجل .
وعند أبي حنيفة لا تقتل ولكن تحبس .
ساحر أهل الكتاب :
عند أبي حنيفة يقتل فيما يقتل فيه الساحر من المسلمين .
وعند مالك والشافعي وأحمد أنه لا يقتل لأن رسول الله ( لم يقتل لبيد ابن الأعصم اليهودي عندما سحره .
وروى البعض عن مالك في الذمي روايتين إحداهما أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل ، والثانية أنه يقتل وإن أسلم .
هل تقبل توبة الساحر إذا تاب ؟
عند أبي حنيفة ومالك وأحمد في المشهور : لا تقبل .
وعند الشافعي وأحمد في رواية : لا تقبل .
لكن قال مالك : إذا ظُهِر عليه توبته لأنه كالزنديق ، فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاءنا تائباً قبلناه .
تعريف النشرة وحكمها :
النشرة في حل السحر عن المسحور ، فإذا كان بسحر مثله محرم ، وإن كان بالرقي والتعاويذ والأدعية المشروعة فمشروع ندب إليه الشرع ، ومن أعظم ذلك فاتحة الكتاب وآية الكرسي والمعوذتان . أما قول الحسن : لا يحل السحر إلا ساحر وما روى إنه ( لما سئل عن النشرة قال : هي من عمل الشيطان)، فمحمول على حل السحر بالسحر .
ذم التنجيم وأنه من أنواع السحر :
علم النجوم أنواع عديدة ، منها :
1- وهو أعظمها ، ما يفعله عبدة النجوم ويعتقدونه في السبعة السيارة وغيرها فقد بنوا بيوتاً لأجلها وصوروا فيها تماثيل سموها بأسماء النجوم وجعلوا لها مناسك مخصوصة لعبادتها .
2- ومنهم من يقوم بكتابة حروف أبا جاد ويجعل لكل حرف منها قدراً من العدد معلوماً ويجري على ذلك أسماء الآدميين والأزمنة والأمكنة ... إلخ ، ويجمع ويطرح بطرق عنده وينسب ذلك إلى الأبراج الاثني عشر ثم يحكي على ذلك بالسعود والنحوس .
3- ومنها النظر في حركات الأفلاك ودوراتها وطلوعها وغروبها واقترانها وافتراقها معتقدين أن لكل نجم منها تأثيرات في كل حركة من حركاته منفرداً وأخرى عند اقترانه بغيره من هبوب الرياح وغلاء الأسعار وغير ذلك .
4- ومنها النظر إلى منازل القمر الثمانية والعشرين مع اعتقاد التأثيرات في اقتران القمر بكل منها ومفارقته وأن في ذلك سعوداً أو نحوساً وتأليفاً أو تفريقاً .
5- وأما عن حكم الاشتغال به فقد قال رسول الله ( : (مَنْ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنْ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنْ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ) رواه أبو داود .وقال عليه الصلاة والسلام : (أخاف على أمتي من ثلاث : حيف الأئمة ، وإيماناً بالنجوم ، وتكذيباً بالقدر)(تخريج: أخرجه ابن عبد البر فى جامع بيان العلم (2/48) ، وابن عساكر (58/401) ، وذكره الرافعى (2/390) . قال الحافظ فى الإصابة (7/360 ، ترجمة 10501) : فيه أبو سعد البقال سعيد بن المرزبان ، ضعيف مدلس.
وقال قتادة رحمه الله : إنما جعل الله سبحانه هذه النجوم لثلاث خصال ، جعلها زينة للسماء ، وجعلها يهتدي بها ، وجعلها رجوماً للشياطين ، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه وأخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به .