شبكة الهداية الإسلامية

عقبات في طريق الدعوة (1)

Wed 2013-8-21 08:40:09
عدد الزيارات: 3650

عقبات في طريق الدعوة (1)

بسم الله الرحمن الرحيم

قالوا تطرَّفَ جيلنُا لمّا سمــــــــــــــا ×× قدراً وأعطى للبطولةِ موثقـــــــــــــــــــــــا
ورمَوْهُ بالإرهابِ حينَ أبى الخَنا ×× ومضى على دربِ الكرامةِ وارتقى
أَوَ كان إرهاباً جهادُ نبيّنـــــــــــــــــا؟ ×× أم كان حقّاً بالكتاب مصدِّقـــــــــا!
أتطرّفٌ إيمُاننا بالله فـــــــــــــــــــــــــــــي ×× عصرٍ تطرَّفَ في الهوى وتزندقـــــا؟
إنَّ التطرّفَ ما نرى من ظالــــــــــــمٍ ×× أودى بأحلامِ الشعوب وأرهقــــــــــا!
إنّ التطرّفَ أن نرى من قومنـــــــــا ×× مَن صانَعَ الكفرَ اللئيمَ وأطرقــــــــــــا
إنّ التطرّفَ أن نذُمّ محمــــــــــــــــــداً ×× والمقتدين بهِ ونمدحَ عَفْلِقــــــــــــــــــــــا!

 

إن طريق الدعوة طريق الأنبياء والمرسلين، وطريق العلماء العاملين، والدعاة الصادقين، ليس طريقاً هيناً ليناًن ولا مفروشاً بالزهور والورود والرياحين، كلا! إنه طريق وَعِر شاق، طويل مليء بالعقبات، مخضّب بالدماء، محفوف بالابتلاء..

ومن الحكمة قبل أن نواصل السير على هذا الطريق أن نكون على بصيرة تامة بوعورته، ومشقته، وعقباته الكثيرة، لنعدّ له الزاد الحقيقي الذى يناسبه..

حتى لا ننزلق في أي منعطف من المنعطفات، أو نصطدم بعقبة من العقبات التي ستعترض طريقنا، ولا أدري بأيها أبدأ، لاسيما وقد اجتمعت!!

ومن أهم هذه العقبات –هنا: عقبتان-..

 

عقبة كثرة أهل الباطل وظهورهم، وقلة أهل الحق وابتلاؤهم:

هذه –ولا شك– من أخطر العقبات، وأشد الفتن التي تواجه أهل الحق، فهم يرون إقبال الدنيا على المبطلين، ويرونهم ناجحين مرموقين، تهتف لهم الدنيا، وتصفق لهم الجماهير، وتصاغ لهم الأمجاد، وتذلل لهم الصعاب، وتيسر لهم الأسباب، وتفتح لهم الأبواب، في الوقت الذى يتعرض فيه أهل الحق للأذى، والفتن، والابتلاء، حقاً إنها فتنة كبيرة، قد تعصف بالقلوب القلقة!

ولا يثبت لها إلا أصحاب القلوب الحية السليمة العامرة بالإيمان واليقين..

فالدعوة إلى الله -جل وعلا- أمانة عظيمة، لابد لأهلها من إعداد خاص، وهذا الإعداد لا يتم أبداً إلا بالصبر الجميل على جميع الفتن والابتلاءات، ولا يتم إلا بالاستعلاء على جميع الآلام، والثقة المطلقة في نصر الله -جل وعلا- لأهل الحق، وإن كانوا قلة، فليست الكثرة دليلاً على الحق أبداً، لاسيما بعد انقضاء القرون الثلاثة الأولى الفاضلة.

بل ما ذكر الله الكثرة إلا وذمها..

وما ذكر القلة إلا ومدحها..

فقال سبحانه: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

وقال سبحانه: ﴿ وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ﴾

وقال سبحانه: ﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴾

وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾

وقال تعالى: ﴿ لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ ﴾

وقال سبحانه: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

وقال تعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴾

وقال سبحانه: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

قال تعالى: ﴿ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾

 

وذكر الله -جل وعلا- القلة ومدحها، وأثنى عليها..

فقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾

وقال -جل شأنه-: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ﴾

وقال تعالى: ﴿ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

وقال تعالى: ﴿ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ﴾

وقال سبحانه: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾

بل وفى الحديث [الصحيح] عن ابن عباس -رضى الله عنهما-، عن النبي قال: «عرضت عليّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد» [متفق عليه].

فلا ينبغي أن نغتر بالكثرة الهالكة، وأن نحتقر القلة السالكة لطريق الحق والهدى، ورحم الله الحسن البصرى إذ يقول: (السُنة، والله، الذى لا إله إلا هو، بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى، وهم أقل الناس فيما بقى).

وهى الفئة الغالبة المنصورة بإذن الله، قال تعالى: ﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾

وفى الحديث الصحيح، عن معاوية -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي يقول: «لا تزال طائفة من أمتى قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» [متفق عليه].

وفى رواية لمسلم عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه-أنه قال: «لا تزال عصابة من أمتى يقاتلون على الحق، لا يضرهم من خالقهم حتى تأتيهم الساعة».

نسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من هذه القلة المؤمنة السالكة لطريق الحق والخير والهدى، أنه ولى ذلك ومولاه..

عقبة حب الدنيا، وكراهية الموت:

إنه الداء العضال الذى حذر منه النبي أمته، ولكن وقع ما حذر منه رسول الله ، وأصبحنا نعيش عصراً طغت فيه الماديات والشهوات بصورة عارمة، صرفت كثيراً من المسلمين عن الآخرة، وراحوا يعمرون دنياهم، وليتهم مع ذلك عمروا أخراهم، بل امتلأت قلوبهم حرصاً، وطمعاً، وجبناً، وتخلوا عن الدعوة إلى الله -عز وجل-، وجبنوا عن الجهاد في سبيل الله، بل أصبحوا –هم– في أمس الحاجة إلى دعوة، بدلاً من أن يكونوا –هم– أصحاب الدعوة، ورافعوا لوائها!!

والحق أنه من يوم أن تمكن هذا الداء في الأمة –إلا من رحم ربك– ذلت الأمة، وهانت على جميع الأمم، بل وتجرأ عليها الذليل قبل العزيز، والضعيف قبل القوي، والقاصي قبل الداني، وقد بين ذلك –أوضح بيان– من لا ينطق عن الهوى، في حديث ثوبان -رضي الله عنه-، عن رسول الله قال: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها» قالوا: (أو من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟)، قال: «بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن» فقالوا: (وما الوهن؟)، قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» [رواهُ أحمد، وأبو داود].

وهذه العقبة الخطيرة تحتاج من الدعاة جهداً كبيراً، وزاداً من الإخلاص، والقدوة، والصبر، لا ينفد ولا ينتهى، لتذكرة الناس بحقيقة الدنيا، وإلا فكيف تدعو أناساً لبذل المال والمهج والأرواح في سبيل الله، تربع حب الدنيا على عروش قلوبهم؟ وخلدوا إلى الأرض، والوحل، والطين! فلابد –ابتداءً– أن نعرفهم حقيقة دنياهم، وأنها ليست نهاية المطاف، كلا! بل إنها دار ممر، والآخرة هي دار المقر، ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ ﴾

وأنها مهما طالت فهي قصيرة، ومهما عَظُمت فهي حقيرة..

لأن الليل مهما طال لابد من طلوع الفجر..

ولأن العمر مهما طال فلابد من دخول القبر..

﴿ وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾

ويبين النبي قارتها فى الحديث الصحيح، يوم أن مَّر بالسوق والناس كنفتيه، فمر بجدى أسَكٍّ -أي: صغير الأذنين- مَيَّتٍ، فتناوله، فأخذ بإذنه، ثم قال: «أيكم يحب أن يكون هذا له بدرهم؟» فقالوا: (ما نُحبُ أنه لنا بشيء وما نصنعُ به؟!) ثم قال: «أتحبون أنه لكم؟» قالوا: (والله، لو كان حيَّاً كان عيباً فيه، لأنه أسكٌ، فكيف وهو ميت؟!) فقال: «فوالله، للدنيا أهونُ على الله من هذا عليكم» [رواه مسلم].

ورحم الله من قال:

إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريقُ ×× والليالي متجر الإنسان والأيام سوق

ولتحويل هذه المعاني إلى واقع –من جديد– يحتاج إلى جهاد طويل، وصبرٍ مرير.